محمد حسين علي الصغير
160
الصوت اللغوى في القرآن
إلى قوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ ( 40 ) « 1 » . فإننا نستشعر هذا الأمر بقلوبنا قبل الأسماع ، هادئا ناعما متناسقا ، وهو يدعو إلى تسبيح اللّه وتقديسه آناء الليل وأطراف النهار . وحينما نستمع إلى قوله تعالى : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ « 2 » . فإن العزائم تهب على هذا الصوت المدوي ، بإعلان النصر لنبيه ، والفتح أمام زحفه ، فتعم البشائر ، وتتعالى البهجة . وحينما نستمع إلى قوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ « 3 » . فالصوت الرفيق هذا يمس الاسماع مسا رفيقا حينا ، ويوقظ الضمائر من غفلتها حينا آخر ، وهو يستدر كرم المخائل ، ويوجه مسيرة التعاطف ، ويسدد مراصد الانفاق ، والمسلم الحقيقي يسعى إلى البر الواقعي فأين موطنه ؟ إنه الانفاق مما يحب ، والعطاء مما يحدب عليه ، والفضل بأعز الأشياء لديه ، وبذلك ينال البر الذي ما فوقه بر . وحينما نستمع إلى قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ( 1 ) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) « 4 » . وتمد الفتحة لتكون ألف إطلاق ، وتصبح في غير القرآن ( اليتيما ) فإنك تقف عند بحر الخفيف من الشعر ، وهو من الأوزان الراقصة ، تقف عند صرخة مدوّية ، وجلجلة متأججة تقارن بين التكذيب بيوم القيامة ، وبين دعّ اليتيم في معاملته بخشونة ، وصده بجفاف وغلظة . هذه النماذج الخيرة التي تبركنا بإيرادها ، والتي تنبه من الغفوة والغفلة ، وتدفع إلى الاعتبار والعظة ، وتزيد من البصيرة والتدبر ، قد أضفى عليها الملحظ الصوتي موسيقاه الخاصة ، فعاد القول بصوتيتها من جملة أسرارها الجمالية ، والتأكيد على تناغمها الإيقاعي من أبرز ملامحها الفنية . هذه ميزة ناصعة من مزايا فواصل الآيات باعتبار العبارات .
--> ( 1 ) ق : 40 . ( 2 ) الصف : 13 . ( 3 ) آل عمران : 92 . ( 4 ) الماعون : 1 - 2 .